عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )
27
شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )
ومثل ثان ضربه هذا المستشرق ؛ ليعزز به دعواه هو : لفظ « بشرا » في قوله سبحانه : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [ الأعراف : 57 ] . قد قرئت أيضا « نشرا » بالنون بدل الباء . وقد قرأ عاصم بالباء وإسكان الشين ، أي بجمع بشير كنذير ونذر . وقرأ ابن عامر بالنون مضمومة وبإسكان الشين . وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالنون المفتوحة وسكون الشين بمعنى ناشرة أو منشورة ، أو ذات نشر . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب بضم النون والشين جمع نشر . فهيئة الرسم إذن ليست هي المرجع في صحة القراءة ، كما يدعى جولد تسيهر ومن تابعه ، وإنما المرجع هو تواتر الرواية كما يقرر المسلمون . ومثل ثالث يسوقه هذا المستشرق هو كلمة « إياه » في قوله عز وجل : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [ التوبة : 114 ] . فقد قرئت : « أباه » . ومع أن في الإمكان النطق بهذا اللفظ بالباء بدل الياء ، فيما لو كان المعول على الخط وحده فإن قراء المسلمين جميعا يقرءون بالياء ، ويتفقون على أن قراءة الباء منكرة . ويزعم جولد تسيهر أن بعض القراء كانوا يغيرون القراءات بما ترضاه مقاصدهم وتسيغه أفهامهم وأذواقهم . ففي قوله تعالى : يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . . [ البقرة : 54 ] . يذكر جولد تسيهر أن قتادة رأى أن الأمر بالقتل هنا شديد القسوة ، وغير متناسب مع الخطيئة ؛ فقرأ : « فأقيلوا » ، ويقول جولد تسيهر : إنه يرى في هذا المثال : « وجهة نظر موضوعية شاركت في سبب اختلاف القراءة » . ولا نرى علينا من حق لجولد تسيهر في أن نناقش دعواه هذه ؛ فهي مرفوضة أصلا ؛ لأن « فأقيلوا » ليست من القراءات المتواترة أو المشهورة أو حتى الأربع الشواذ .